
في ظل التوترات المتفاقمة بين الولايات المتحدة وإيران، تتجه أصول عسكرية أمريكية جوية وبحرية هائلة نحو الخليج، ويبدو أن المنطقة على حافة الهاوية. مع الحديث الصريح عن الاستعدادات لإسقاط النظام في طهران نطرح السؤال المهم: هل نحن أمام حرب شاملة؟
في هذه المقالة، نستعرض تاريخ الصراع بين الطرفين منذ ثورة الخميني عام 1979 وحتى اليوم، لنفهم كيف وصلنا إلى هذا التصعيد.
جدول المحتويات
أزمة الرهائن (عملية مخلب النسر) وثورة 1979
عملية “مخلب النسر” تعتبر أكبر (وأفشل) عملية للقوات الخاصة الأمريكية في القرن العشرين، فبعد سقوط شاه إيران عام 1979 اقتحم مناصرو الخميني السفارة الأمريكية واحتجزوا 52 دبلوماسيا أمريكيا كانوا بداخل السفارة الأمريكية في طهران.

فشلت المفاوضات بإيجاد حلول لإطلاق سراح الرهائن الأمريكيين فلجأ رئيس أمريكا جيمي كارتر حينها للحل العسكري وأطلق عملية “مخلب النسر” لتحرير الرهائن.

كانت الخطة تقضي بهبوط 3 طائرات من نوع Lockheed C-130 Hercules في صحراء طبس على بعد 500 كم جنوب غرب طهران بداخلها جميع أفراد القوات الخاصة الأمريكية دلتا و3 طائراتMC-130 تحمل المعدات الخاصة للقوات مع 20 ألف لتر وقود طائرات هيليكوبتر.

ثم تأتي 8 طائرات هيليكوبتر نقل من طراز RH-53 تابعة لمشاة البحرية الأمريكية من قواعد قريبة في عمان إلى الموقع الأول ويتم تزويدها بالوقود والانطلاق بالجنود إلى الموقع الثاني 52 كم جنوب العاصمة طهران.

وتبدأ العملية بقدوم سيارات يحضرها عملاء ال CIA داخل طهران للموقع بعد قطع كامل للكهرباء عن العاصمة، وتنقسم قوات الدلتا قسمين: قسم يسيطر على قاعدة عسكرية جوية جنوب غرب طهران لكي تهبط طائرات C141 الأمريكية العملاقة، وقسم آخر يقتحم السفارة داخل العاصمة ويحرر الرهائن

وتقضي الخطة بالتوجه مع الرهائن إلى ملعب “شيرودي” لانتظار طائرات الهليكوبتر RH-53 لنقلهم إلى القاعدة الجوية المسيطر عليها حديثا، ومن ثم الهروب بواسطة طائرات النقل C141 التي ستقلع بجميع الرهائن والمجموعات المقاتلة وتدمير طائرات الهيلوكوبتر في القاعدة بعد المغادرة.

وفعلا في 24 أبريل 1980 انطلقت العملية وفقا للخطة المرسومة، فتوجهت طائرات ال C-130 من مطار مصيرة في عمان إلى الموقع الأول وهي تحمل قائد العملية الميداني الكرنل Charles Alvin Beckwith وقوات دلتا.

إلا أنه وعلى غير المتوقع هبت عاصفة رملية في صحراء طبس تسببت بمشاكل في هبوط الطائرات وتحطم في أجنحة بعضها أثناء الهبوط، ومع ذلك تم تجاوز المرحلة الأولى من العملية بنجاح، ونزلت جميع القوات الخاصة الأمريكية مع معداتها في صحراء طبس.

ثم انطلقت الهيلوكوبترات من حاملة الطائرات USS Nimitz التي كانت تبحر في خليج عمان إلى صحراء طبس، لكن رياح العاصفة هبت بغير ما تشتهيه الطائرات الأمريكية، فتعطلت 3 طائرات واضطرت للعودة إلى حاملة الطائرات وبهذا نزلت 5 طائرات فقط في الموقع1.

أدت المشاكل الفنية هذه إلى تأخير 90 دقيقة عن الوقت المحدد، وكانت طائرات الهليكوبتر الخمسة غير كافية لمواصلة المهمة فتم إرسال طلب من الكرنل باكويذ إلى الرئيس الأمريكي للموافقة على إلغاء العملية، وبعد ساعتين صدرت الأوامر من البيت الأبيض بالانسحاب وإلغاء العملية.

وأثناء المغادرة على عجل اصطدمت إحدى طائرات الهليكوبتر RH-53 الأمريكية بطائرة نقل EC-130 تحمل جنود خدمات وآلاف اللترات من الوقود مما أدى لاشتعال النيران في كلتا الطائرتين ومقتل 8 من الجنود حرقا.

منيت القوات الأمريكية بفشل ذريع وتحولت الخطة الهوليودية إلى فلم إيراني بعنوان عاصفة الرمال SandStorm من بطولة أحمد نجفي أحد أشهر نجوم السينما الإيرانية عام 1997 ويحكي الفلم وقائع وأحداث العملية الأمريكية الفاشلة.

تصعيد في الثمانينيات: الحوادث البحرية
1- حادث بريدجتون:
في 24 يوليو 1987 قام الجيش الإيراني باستهداف ناقلة النفط بريدجتون التي ترفع العلم الأمريكي عبر لغم بحري أدى لتلف الناقلة فردت واشنطن بعملية عسكرية أسمتها “الإرادة القوية” ضد السفن الإيرانية، ودمرت مصفاتي نفط إيرانيتين وأغرقت وأعطبت 5 مدمرات بحرية إيرانية

2-عملية فرس النبي:
في 18 أبريل 1988 قامت البحرية الإيرانية بإعطاب المدمرة الأمريكية USS Samuel أيضا عبر زراعة ألغام بحرية في مضيق هرمز، ما أدى لأحداث فتحة في المدمرة الأمريكية بقطر 4.5 متر وأوشكت على الغرق قبل أن يتم سحبها إلى موانئ دبي. فأعلنت واشنطن حربا مباشرة على الجيش الإيراني دمرت خلالها سفنا وفرقاطات إيرانية كثيرة، كما ردت إيران بهجمات الزوارق السريعة التي دمرت ناقلات نفط غربية، وكانت هذه الحادثة أكبر خسارة للبحرية الإيرانية.

تدمير طائرة ركاب مدنية إيرانية
في 3 يوليو 1988، تصاعدت الاشتباكات البحرية في مضيق هرمز بعد عملية “فرس النبي” (Praying Mantis) بأشهر قليلة، فأطلقت المدمرة الأمريكية USS Vincennes صاروخين أرض-جو من طراز SM-2 على طائرة ركاب مدنية إيرانية من طراز إيرباص A300 (رحلة إيران إير 655) كانت في طريقها من بندر عباس إلى دبي.
اعتقد طاقم السفينة خطأً أن الطائرة هي مقاتلة إيرانية من طراز F-14 تقترب للهجوم، رغم أنها كانت تتبع مسارا تجاريا منتظما وترسل إشارات تعريف مدنية (IFF Mode III). أدى ذلك إلى مقتل جميع من كانوا على متنها، وعددهم 290 شخصا (بينهم 66 طفلا).

تجدد الصراع في العقد الأول من الألفية: الطائرات بدون طيار
تموز 2011:
قامت إيران بإسقاط طائرة استطلاع أمريكية كانت تحلق فوق مفاعل فوردو النووي وهو مفاعل نووي سري اكتشفته المخابرات الغربية عام 2009 بالقرب من مدينة قم.

4 ديسمبر 2011:
أسقطت إيران طائرة استطلاع أمريكية متطورة من دون طيار من نوع RQ170 فوق مدينة كاشمر شرق إيران عبر اختراق تردداتها وإنزالها بشكل سليم في صحراء إيرانية فيما ادعت أمريكا أن الطائرة تحطمت، إلا أن الإيرانيين عرضوا الطائرة لوسائل الإعلام وبدت سليمة تماما.

ثم ادعوا لاحقا أنهم حصلوا على التكنولوجيا اللازمة لصناعة طائرات مماثلة خاصة بهم، كما أعلنت مصادر عسكرية إيرانية بأن روسيا والصين قدموا طلب للسماح لخبرائهم بمعاينة الطائرة والاطلاع عليها.

ذروة التوترات خلال 2016-2019 (الأسر والإسقاطات):
أسر البحارة:
في 13 يناير 2016 أسرت ايران 10بحارة أمريكيين دخلوا المياه الإقليمية الإيرانية، وأطلقت سراحهم بعد 24 ساعة، إلا أن الإيرانيين التقطوا صورا للبحارة وهم جاثون على ركبهم، ما ظهر للإعلام على شكل إهانة للبحرية الأمريكية.
تحرشات إيرانية بالبحرية الأمريكية:
شهد عام 2016 أيضا تحرشات إيرانية بالبحرية الأمريكية ما اضطر الأخيرة لإطلاق نار تحذيري باتجاه قوارب إيرانية كما يظهر الشريط التالي:
إسقاط أحدث طائرة استطلاع أمريكية
20 يونيو 2019 أسقطت إيران بصاروخ أرض-جو أحدث طائرة استطلاع أمريكية، ادعت أنها اخترقت الحدود، بينما أكدت الولايات المتحدة أنها كانت تحلق في المجال الجوي الدولي.
وجرت اتصالات بين ترامب وإيران عبر سلطنة عمان طلب فيها الرئيس الأمريكي من إيران عدم الرد على ضربة “شكلية” محدودة على منشآت إيرانية غير ذات أهمية، دون الدخول بحرب شاملة لا يمكن السيطرة عليها، فرفضت إيران واعتبرت أن أي هجوم على أراضيها سيعتبر بمثابة إعلان حرب، فاضطر ترامب للتغريد بأنه ألغى العملية العسكرية قبل 10 دقائق خوفا على حياة 150 شخصا!

الاستيلاء على ناقلة نفط إيرانية
4 يوليو 2019 استولت بريطانيا على ناقلة النفط الإيرانية جريس1 بالقرب من جبل طارق والتي كانت بطريقها إلى سوريا.
احتجزت إيران ناقلة النفط البريطانية “ستينا إمبيرو” كرهينة مقابل ناقلتها غريس1؛ فاضطرت بريطانيا لإخلاء سبيل غريس1 كمقايضة فعليا مع تعهدها بعدم إفراغ النفط في سوريا، إلا أن برامج مراقبة السفن أظهر أن الناقلة أفرغت حمولتها في ميناء بانياس السوري.

الاغتيالات والحروب الوكيلة
اغتيال سليماني:
في يناير 2020، اغتالت الولايات المتحدة الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، بضربة طائرة بدون طيار في مطار بغداد. اعتبرت إيران العملية إعلان حرب، فردت بإطلاق صواريخ باليستية على قواعد أمريكية في العراق (عين الأسد وأربيل).

هجمات على ناقلات نفط و سفن تجارية 2021-2022
شهد الخليج سلسلة هجمات على ناقلات نفط و سفن تجارية، مع اتهام واشنطن لإيران بأنها تقف خلفها مباشرة أو عبر وكلائها.
في الوقت نفسه، زادت هجمات الحوثيين في اليمن على السفن في البحر الأحمر، وردت الولايات المتحدة بعقوبات إضافية وتعزيز الدعم العسكري لإسرائيل والسعودية.
تصاعد الهجمات من أتباع إيران 2023-2024
تصاعدت هجمات المليشيات المدعومة من إيران (خاصة في العراق وسوريا) على القواعد الأمريكية، مما أسفر عن مقتل وإصابة جنود أمريكيين.
في الفترة نفسها، شهدت غزة طوفان الأقصى، مما رفع مستوى التوتر مع الولايات المتحدة وإسرائيل إلى مستويات غير مسبوقة.
هجوم صاروخي مباشر على إسرائيل
في أكتوبر 2024، شنت إيران هجوماً صاروخياً مباشراً واسع النطاق على إسرائيل.
الذروة الحديثة للصراع الأمريكي الإيراني: الحروب المباشرة والنووية في 2025
مارس 2025:
في هذا الشهر شنت الولايات المتحدة حملة قصف جوي واسعة على مواقع الحوثيين في اليمن كرد على استمرار هجماتهم على السفن التجارية في البحر الأحمر. اعتبرت إيران هذه العمليات اعتداءً مباشراً عليها بسبب دعمها للحوثيين، وزادت من تهديداتها المضادة.
يونيو 2025:
اندلعت حرب مباشرة بين إسرائيل وإيران، وشهدت تل أبيب وحيفا وغيرها لأول مرة تساقط مباشر لمئات الصواريخ الإيرانية، وانتشرت على إثر هذه الحرب تلك الأغنية الشهيرة التي جمعت مقاطع الحرب كاملة في فيديو واحد مثير للجدل حقق أكثر من نصف مليار مشاهدة خلال ساعات (ملاحظة: محتوى دعائي عنيف ننشره لغرض توثيق المشاهد)
دخول الولايات المتحدة الأمريكية على خط الصراع
دخلت الولايات المتحدة على خط القتال بشن ضربات جوية دقيقة على ثلاث منشآت نووية إيرانية رئيسية في 21 و22 يونيو 2025، مما ألحق أضراراً جسيمة بالبرنامج النووي الإيراني وأبطأ تقدمه بشكل كبير.
ختاما
في الوقت الحالي تتحرك مجموعات بحرية أمريكية ضخمة نحو الخليج، وسط مخاوف متزايدة من اندلاع حرب شاملة تشمل إيران وإسرائيل والولايات المتحدة وحلفاءها في المنطقة بآن واحد.
فإلى أين تتجه المنطقة؟ شاركنا برأيك…
يمكنك قراءة التقرير الأصلي (نشر أولي عام 2019) عبر الرابط:





