جدول المحتويات
تحول دراماتيكي في شمال شرق سوريا (روج آفا)
فجأة وخلال أيام قليلة، شهد العالم تحولا دراماتيكيا غير مسبوق في شمال شرق سوريا، الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا (روج آفا)، والتي أسسها الأكراد عام 2012 كمشروع فيدرالي إنفصالي، انهارت ميدانيا وسياسيا بشكل شبه كامل، وتساقطت معاقل ميلشيات قسد واحدة تلو الأخرى كأحجار الدومينو.
خسرت قسد -المدعومة أمريكياً سابقا- الرقة ودير الزور وحقول النفط الرئيسية شمال شرق سوريا، وانسحبت وتقوقعت في جيوب محدودة في الحسكة وكوباني.
الاتفاق الموقع في 20 يناير 2026 بين الشرع وعبدي يفرض اندماجاً فردياً لقسد في الجيش السوري، تسليم الحدود والموارد والسجون، وإنهاء الكيان الانفصالي بالكامل. مع مهلة 4 أيام للتنفيذ أوشكت على الانتهاء، بينما تتصاعد التحذيرات الرسمية من دمشق باللجوء إلى “الخيار العسكري” في حال عدم التنفيذ.
فهل هذه نهاية “القضية الكردية” في سوريا ككيان مستقل، أم بداية صراع جديد داخل الدولة؟
وهل يمثل ذلك ضربة قاصمة لإسرائيل التي راهنت على تقسيم سوريا؟ أم انتصاراً تاريخياً للوحدة السورية؟
في هذه المقالة، نستعرض الأحداث من البداية، التطورات الميدانية، الاتفاق ومضمونه، وجهات النظر المتنوعة، ثم توقعاتنا للسيناريوهات المستقبلية وتداعياتها على المشهد السوري.
بداية قصة روج آفا
كانت البداية مع انطلاق الثورة السورية عام 2011، انحسر نفوذ نظام بشار الأسد تدريجياً من المناطق الكردية شمالاً (عفرين، كوباني، الجزيرة)، مما سمح لحزب الاتحاد الديمقراطي PYD وهو الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني PKK، بالسيطرة على هذه المناطق.
في 2012، أعلنت “الإدارة الذاتية” في ثلاث كانتونات: عفرين، كوباني، والجزيرة. ومع معركة كوباني 2014-2015 ضد داعش، حصلت قوات الحماية الشعبية (YPG) – نواة قسد لاحقاً – على دعم أمريكي مباشر (غطاء جوي، أسلحة، تدريب). وتوسعت السيطرة شرق الفرات: الرقة (2017)، دير الزور (2018-2019)، وحقول النفط مثل العمر والتنك والتي اغتنمتها قسد من تنظيم الدولة بدعم أمريكي وغربي.
التطورات الأخيرة: سقوط الأسد، ثم الانهيار السريع لروج آفا
بعد سقوط نظام الأسد أواخر 2024 وقّعت قسد اتفاقاً أولياً مع دمشق في مارس 2025 لاندماجها مع الجيش السوري. لكن الاتفاق النظري لم يطبق على الأرض، ما أدى إلى التصعيد.
في يناير 2026، انفجر الوضع: ثورة عشائر عربية واسعة في دير الزور والرقة، مدعومة بشكل غير مباشر من دمشق وتركيا.
تقدمت قوات العشائر العربية والجيش السوري (بزي غير رسمي) بسرعة خاطفة، مع انسحاب قسد من غرب الفرات، ثم خسارة الرقة، ثم دير الزور وحقول النفط.

الاتفاق في 20 يناير 2026 ومهلة الأربعة أيام
في 20 يناير، أعلن الشرع اتفاقاً (بوساطة أمريكية) من 14 نقطة مع قائد قسد مظلوم عبدي:
– وقف إطلاق نار فوري.
– اندماج فردي لعناصر قسد في الجيش والأمن السوري (لا كوحدات مستقلة).
– تسليم الحدود، حقول النفط، والسجون.
– إنهاء الإدارة الذاتية ككيان سياسي مستقل.
– إدارة محلية محدودة في بعض المناطق ذات الكثافة الكردية.
لكن الاتفاق ترك تفاصيل الحسكة والقامشلي مفتوحة، فمنحت دمشق مهلة 4 أيام لقسد لوضع “خطة تفصيلية للدمج العملي”.
خلال اليومين الماضيين، سجلت خروقات متكررة من جانب قسد، ومجازر في الأحياء العربية بالحسكة، مع مظاهرات كردية في دول أوروبية داعمة لتنظيم قسد.
تداعيات ما يجري… من منظور إسرائيلي: كارثة استراتيجية
ترى إسرائيل في روج آفا حليفاً استراتيجيا، يجعل سوريا مقسمة، ويبقي سلطة دمشق بعيدة عن النفط والموارد، تقارير إسرائيلية (مثل مركز ألما) وصفت الاتفاق بانتصار تركي-سوري و”ضربة قاسية” لتل أبيب.
في هذا السياق نذكركم بتقريرنا السابق حول تاريخ وطبيعة العلاقة بين الأكراد وإسرائيل…
من منظور سوري وطني: فرصة تاريخية
استعادت دمشق بأيام قليلة السيادة على ثلث البلاد + موارد اقتصادية حيوية. وبدأت نهاية كيان انفصالي فرض نفسه بالقوة، إضافة لترحيب شعبي واسع في الرقة ودير الزور.
من منظور تركيا: انتصار مطلق
أردوغان يرى قسد امتداداً لـPKK. ما جرى يحقق حلم أنقرة منذ سنين: إنهاء التهديد الكردي على حدودها الجنوبية.
من منظور أمريكا: خذلان محرج واستبدال تكتيكي
واشنطن تحالفت مع قسد لهدف واحد وهو هزيمة تنظيم الدولة، ومع تحقيق هذا الهدف، أصبح هذا التحالف (إن صح تسميته بتحالف) غير مطلوب بعد اليوم. لقد أصبح التنسيق مع الشرع أكثر جدوى للمصالح الأمريكية، لذلك ترى واشنطن اليوم أن مصلحتها تكمن باستبدال الشرع بعبدي.
ماذا بعد انتهاء مهلة الـ4 أيام؟
كل المؤشرات تدل على احتمال كبير بعدم تطبيق قسد للاتفاق، نتابع تصريحات من قيادات كردية ترفض “الاستسلام”، قواعد شعبية كردية ترفض الاندماج الفردي كليا. سيكون هناك محاولات تأخير أو تفاوض على شروط أفضل مثل إدارة محلية واسعة الصلاحيات في الحسكة.
السيناريو المرجح (احتمال 70-80%): رفض جزئي أو تأخير، يدفع دمشق لاستئناف العمليات العسكرية في الحسكة والقامشلي. الجيش السوري – مدعوم بالعشائر العربية وغطاء جوي تركي – قادر على حسم الجيوب المتبقية عسكريا، خاصة مع ضعف معنويات قسد بعد الخسائر السابقة، بالرغم من تحديات التحصين خلال الأيام الماضية والدعم العراقي.
ولكن هذا السيناريو يحمل في طياته تصعيدا خطيرا غير معروف النتائج والتبعات، لأن دخول الجيش إلى مراكز الحسكة والقامشلي، يعني مواجهات حضرية دامية، نزوح كردي واسع النطاق، قصف متبادل وضحايا من المدنيين، عشرات الفيديوهات من طراز “عوي ولاك” واحتمال وقوع انتهاكات قد تدفع ربما باتجاه سيناريو السويداء وتمنح الأكراد إقليما مستقلا في الحسكة.
ولكن حتى مع هذا السيناريو المتشائم، فالوضع مختلف عن السويداء بشكل جذري، في السويداء العامل المؤثر هو إسرائيل، الداعمة لإنشاء كيان درزي مستقل، قصفت مبنى الأركان وسط دمشق لإظهار جديتها في دعم الدروز، وهددت بقصف القصر الرئاسي؛ ما دفع الشرع للتراجع.
أما في حالة الحسكة، فالمؤثر الإقليمي هنا هو تركيا، وهي داعمة وبقوة لإستئصال أي كيان انفصالي في هذه المنطقة… فيبقى التوقع بما سيحدث هنا مجازفة كبيرة…
السيناريو الأقل ترجيحا (20-30%): تنفيذ جزئي للاتفاق، ومماطلة وتسويف يؤدي إلى لا مركزية محدودة وهدوء مؤقت، لكن مع بذور تمرد مستقبلي.
وفي الختام…
إن سقوط روج آفا ليس مجرد خسارة أراضي، بل نهاية مشروع سياسي استمر عقداً كاملاً.
بالنسبة لسوريا الجديدة، فرصة ذهبية للوحدة والسيادة. لإسرائيل، كارثة استراتيجية طويلة الأمد. للأكراد، ربما بداية مرحلة نضال داخلي مختلفة. لكن التاريخ يعلمنا أن الصراعات في سوريا نادرا ما تنتهي باتفاقات ورقية وتصفيق جميع الأطراف لها. فمع انتهاء المهلة قريبا، الساعات القادمة ستكون حاسمة…
هل سنشهد استسلاماً كاملاً، أم جولة دموية أخيرة؟
لنقاش أوسع شاركونا رأيكم في التعليقات.
رؤى لدراسات الحرب





