المأزق الاستراتيجي الأمريكي في الحرب مع إيران (28 فبراير 2026): بين القدرة على التدمير والعجز عن الحسم

المأزق الاستراتيجي الأمريكي في الحرب مع إيران

جدول المحتويات

في صبيحة 28 فبراير 2026، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوما عسكريا مشتركا واسع النطاق على إيران تحت اسم “عملية الغضب الملحمي” Operation Epic Fury، عقب فشل المفاوضات النووية. أسفرت الضربة الأولى عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، لكنها لم تؤد إلى انهيار النظام، بل كشفت عن عمق المأزق الاستراتيجي الأمريكي.

خلال 39 يوما من القتال المكثف (28 فبراير – 8 أبريل)، نفذت القوات الأمريكية أكثر من 13 ألف ضربة على أهداف إيرانية، واستهلكت نسب كبيرة من مخزونات صواريخ دقيقة رئيسية. تلا ذلك وقف إطلاق نار بوساطة باكستانية في 8 أبريل، مدد لأجل غير مسمى في 21 أبريل، قبل أن ينهار وتستأنف الضربات في 8 يوليو مع إعادة فرض حصار بحري أمريكي.

وحتى اليوم، الحرب في حالة “جمود غير مكتمل“:

لا اتفاق موقّع ولا استئناف شامل للحرب، بل ضربات متقطعة وحصار بحري ومفاوضات إيرانية-عمانية حول مستقبل مضيق هرمز. وقد صرح الرئيس ترامب في 7 أغسطس بأن “الحرب ستنتهي قريبا”.

نسلط الضوء في هذا التقرير على التناقض الجوهري في الموقف الأمريكي: قوة عسكرية تدميرية غير مسبوقة، مقترنة بعجز استراتيجي عن تحقيق الحسم، في مواجهة خصم يتبنى عقيدة “الدفاع الفسيفسائي” وحرب الاستنزاف غير المتماثلة، مع الإشارة إلى أن التحذيرات العسكرية من هذه النتيجة كانت واضحة قبل اندلاع الحرب وليست اكتشافا ميدانيا متأخرا.

أولا: التسلسل الزمني للصراع:

مرت الحرب بمراحل زمنية كالتالي:

– 28 فبراير 2026: بدء عملية “الغضب الملحمي”؛ مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في الضربة الأولى.

– 28 فبراير – 8 أبريل: 39 يوما من القتال المكثف؛ تنفيذ أكثر من 13 ألف ضربة جوية وبحرية.

– 8 أبريل: الإعلان عن وقف إطلاق نار بوساطة باكستانية.

– 21 أبريل: تمديد وقف إطلاق النار لأجل غير مسمى.

– 5-6 مايو: إعلان القيادة المركزية الأمريكية اكتمال المرحلة الرئيسية من العملية رسميا.

– 8 يوليو: انهيار وقف إطلاق النار واستئناف الضربات الأمريكية.

– منتصف يوليو: إعادة فرض الحصار البحري الأمريكي على إيران.

– 1-4 أغسطس: مفاوضات غير رسمية بين إيران وعمان؛ طهران تنفي التفاوض المباشر مع واشنطن وتحصر الوساطة بعمان.

– 8 أغسطس: الرئيس ترامب يصرِّح بأن “الحرب ستنتهي قريبًا” وأن إيران “لا تستطيع الاستمرار طويلا”.

المأزق الاستراتيجي الأمريكي في الحرب مع إيران

فنحن لا نعيش حربا مستمرة منذ ستة أشهر، بل 39 يوما من القتال العنيف، تلاها نحو ثلاثة أشهر من وقف إطلاق نار متذبذب وحصار بحري، قبل استئناف جزئي للضربات في يوليو.

هذا المشهد يعكس بدقة معضلة عدم القدرة على الحسم.

ثانيا: القدرة التدميرية الأمريكية – التفوق بالأرقام الموثقة

في الأيام الـ39 الأولى استهدفت أمريكا القدرات الإيرانية باستخدام ترسانة ضخمة من الأسلحة الدقيقة، بما في ذلك:

– صواريخ توماهوك المجنحة

– صواريخ JASSM جو-أرض

– صواريخ PrSM وATACMS بعيدة المدى

– صواريخ SM-3 وSM-6 الاعتراضية

– منظومة THAAD للدفاع الجوي

– منظومة باتريوت الاعتراضية

– قاذفات B-2 وقنابل GBU-57 الخارقة للمنشآت المحصّنة مثل “فوردو” و”نتنز”

وفقا للتقديرات:

– استهلكت أمريكا أكثر من نصف المخزون المتاح لأربعة من هذه الأنظمة على الأقل.

– صواريخ PrSM وATACMS طويلة المدى “استنفدت بالكامل تقريبا”.

– استهلك نحو ثلث إلى نصف مخزون صواريخ توماهوك.

– انخفض مخزون صواريخ THAAD بشكل كبير مع عدم توقع تسليمات جديدة في 2026.

– استنفد نحو ثلثي مخزون صواريخ باتريوت الاعتراضية.

المشكلة أن دورة إعادة التصنيع والتزويد لهذه المنظومات تشكل أزمة استراتيجية لأمريكا

فمثلا:

توماهوك التي فقدت منه ثلث إلى نصف المخزون يحتاج 4-5 سنوات لإعادة التزويد.

JASSM نحو سنة

PrSM / ATACMS شبه مستنفدة بالكامل وتحتاج قرابة 8 أشهر

THAAD استنزاف كبير، لا تسليمات بـ2026 وتحتاج 3 سنوات على الأقل.

باتريوت استنفذ نحو ثلثي المخزون ويحتاج سنوات عدة (طلب زيادة ميزانية 927%)

SM-3 / SM-6 يحتاج 3 سنوات

هذا الاستنزاف إذا استمر قد يخلق “فرصة ضعف” قد تستغلها الصين في المحيط الهادئ، وهذا ما يضع واشنطن بين مطرقة حرب الاستنزاف الإيرانية وسندان التحدي الصيني الآخذ في التصاعد، ويضعف الردع الأمريكي في مسارح أخرى أكثر أهمية.

ثالثا: الكلفة البشرية والمالية للحرب:

– القوات الأمريكية: 18 قتيلا على الأقل، ونحو 500 جريح.

– القوات الإيرانية والمدنيون: 200 قتيل على الأقل في الضربة الأولى وحدها (بينهم 118 طالبة مدرسة)، وأكثر من 700 جريح إجمالا.

– بلغت الكلفة المالية حتى اليوم نحو 38.91 مليار دولار.

– قدر البنتاغون الكلفة بـ29 مليار دولار حتى 12 مايو، لكن الأرقام اللاحقة تشير إلى ارتفاع حاد.

– تتضمن موازنة 2027 زيادات مطلوبة حادة (توماهوك +513%، PrSM +245%، THAAD +650%) ضمن حزمة دفاعية بـ1.5 تريليون دولار.

هذه الأرقام تضع الحرب ضمن قائمة أكثر الصراعات كلفة على الولايات المتحدة منذ حربي العراق وأفغانستان.

رابعا: العجز عن الحسم – حدود القوة التي حذر منها العسكريون مسبقا

أطلق الجنرال دان كاين، رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، تحذيرات قبل بدء الحرب، كانت تقييما استراتيجيا واضحا قدمه للإدارة في اجتماعات التخطيط بشهر فبراير 2026، أي قبل قرار الهجوم نفسه.

في تلك الاجتماعات، أخبر كاين الرئيس ترامب أنه لا يستطيع تقديم “ضمانات” مماثلة لتلك التي قدمها بخصوص عملية فنزويلا، محذرا من أن إيران هدف أكثر تعقيدا وصعوبة، وأن حملة جوية واسعة تهدف لإسقاط النظام قد تحمل مخاطر عالية للخسائر الأمريكية وتستنزف المخزونات بشكل كبير. عرض كاين خيارين: ضربة محدودة للضغط، أو حملة أوسع محفوفة بالمخاطر. وما نراه اليوم ليس سوى تحقق لتلك التحذيرات المسبقة والتي يبدو أن ترامب قد تجاهلها أو أن نتنياهو بطريقة ما أقنعه بخلاف ذلك.

المأزق الحالي ليس فشلا استخباراتيا أو عسكريا ميدانيا، بل هو فشل في الاستجابة لتقييمات المؤسسة العسكرية، ورهان سياسي خاسر على أن القوة التدميرية وحدها قد تكسر إرادة الخصم. إذا أخذنا في الاعتبار مقولة سون تزو: “الحرب تحسم نتيجتها قبل أن تبدأ” فحرب إيران هذه كانت واضحة النتائج لغالبية المطلعين على الشأن الإيراني قبل انطلاقها.

خامسا: العقيدة القتالية الإيرانية… “الدفاع الفسيفسائي” والعمق الجغرافي:

صممت إيران هيكلها العسكري بناءً على فرضية قطع الاتصال بين القيادة المركزية والوحدات الميدانية. تمنح القواعد المحلية للشبكة العسكرية التابعة للحرس الثوري صلاحيات القتال الذاتي والمستقل، مما يعني أن تدمير مقرات القيادة في طهران والذي أسفر عن مقتل المرشد الأعلى لا ينهي الحرب بل يسعرها ويحولها إلى عشرات البؤر المقاومة المستقلة.

بالطبع أدت هذا الاستراتيجية إلى فوضى في القرارات العسكرية كضرب تركيا ثم نفي إيران (بسبب توسع هامش استقلالية القرارات للقادة الميدانيين) ولكنها استراتيجية بقاء لا مثيل لها في مثل هذه الحالات.

(وبالمناسبة: الدول النووية العظمى مثل أمريكا وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا لديها مثل هذه البرامج وتفعل في حال اندلاع حرب نووية وفقدان السيطرة المركزية)

إضافة إلى ذلك، تستثمر إيران في “مدن صواريخ” تحت الأرض، وتستفيد من تضاريسها الشاسعة (أكثر من 1.6 مليون كم²) والوعرة (سلاسل جبال زاجروس والبرز)، مما يجعل أي خيار بري أمريكي مستحيلا تقريبا من الناحية العسكرية واللوجستية.

سادسا: الحرب غير المتماثلة والتفاوت الهائل في تكلفة السلاح

تواجه الولايات المتحدة معادلة غير متكافئة: فإيران تستخدم طائرات مسيرة وصواريخ باليستية منخفضة التكلفة، تتراوح بين 10,000 و100,000 دولار لإرهاق أنظمة دفاع أمريكية فائقة الثمن. تبلغ تكلفة الصاروخ الاعتراضي PAC-3 أو SM-6 نحو 1 إلى 4 ملايين دولار. هذا التفاوت يضعف المصداقية الأمريكية كحامي للبنية التحتية الخليجية، ويكبد واشنطن خسائر مالية فادحة في حرب الاستنزاف، ويحدّ من قدرتها على الاستمرار في الصعود في سلم التصعيد.

سابعا: مأزق مضيق هرمز – الوضع الراهن:

المضيق شبه مغلق أمام الملاحة العادية منذ فبراير. تتفاوض إيران مع عُمان على ترتيبات مؤقتة (شهر إلى ثلاثة أشهر) تمنحها هيمنة فعلية على تنظيم المرور – نفوذ لم تكن تملكه قبل الحرب. تشير التقديرات إلى أن إغلاق المضيق قد يرفع أسعار النفط إلى ما بين 150 و200 دولار للبرميل، محدثا صدمة تضخمية كبرى في الغرب عشية الانتخابات الأمريكية النصفية. كما أن الوضع الحالي يتسم بتردد ترامب بشكل لافت جدا، هذا يؤدي لتآكل المصداقية الأمريكية إقليميا، كما أضر التردد السياسي المتكرر بمصداقية واشنطن لدى حلفائها في الخليج، ودفعهم إلى استكشاف مسارات دبلوماسية مستقلة مع طهران.

ثامنا: السيناريوهات المستقبلية – خيارات أمريكية بين السيء والأسوأ

استنادا إلى المعطيات الميدانية والموقف السياسي الراهن، تتراوح الخيارات الأمريكية بين خمسة سيناريوهات رئيسية:

السيناريو الأول: تسوية تمنح إيران نفوذا فعليا على هرمز:

وهذا هو الأقرب للمسار الحالي. اتفاق مؤقت عبر وساطة عمان يمنح طهران سيطرة على تنظيم الملاحة مقابل وقف القتال. يمثل تنازلا أمريكيا كبيرا واعترافا ضمنيا بفشل استراتيجية “الضغط الأقصى”، لكنه قد يكون المخرج الوحيد من حرب مكلفة تدور بحلقة مفرغة ولا تحظى بشعبية في الداخل الأمريكي.

السيناريو الثاني: التصعيد العسكري

موجة قصف جديدة أشد وأعنف تستهدف القيادة الإيرانية. تتوسع رقعة الحرب، مع مخاطر سياسية كبيرة على الإدارة الأمريكية قبيل الانتخابات النصفية، وقدرة محدودة على الاستدامة بسبب استنزاف الذخائر ومعارضة الكونغرس الجزئية. وقد تدخل المنطقة في حرب كبرى تشترك فيها عدة دول في الشرق الأوسط.

السيناريو الثالث: الضربات الجراحية

استهداف المنشآت النووية والصاروخية فقط. والقول إن القصف عطل البرنامج النووي مؤقتا، لكنه قد يمنح إيران مبررا للانسحاب من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية وتسريع التخصيب في مواقع جديدة محصنة. هذا على فرض أنها لا تقوم بذلك بينما نكتب هذا التقرير.

السيناريو الرابع: الهدنة الهشة والاستنزاف الاقتصادي الممتد

فرض حصار بحري مع عمليات ردع متقطعة. وهو الأقل كلفة عسكريا على المدى القريب، لكنه يسمح لإيران بتطوير قدراتها ويبقي المأزق مفتوحا دون حسم، ويعرض الاقتصاد العالمي لتقلبات متكررة في أسعار الطاقة.

السيناريو الخامس: التحول إلى حرب استنزاف إقليمية موسعة

أي تصعيد إضافي قد يشمل أطرافا إقليمية إضافية (حزب الله اللبناني، الحوثيون، الميليشيات العراقية)، مما يهدد بإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط وإشعال جبهات متعددة تستنزف الولايات المتحدة وحلفاءها.

وفي الختام…

فقد أثبتت الحرب أن القدرة التدميرية، مهما بلغت قوتها، لا تكفي وحدها لتحقيق أهداف سياسية بعيدة المدى. القوة العسكرية دون استراتيجية سياسية واضحة ودعم داخلي تؤدي إلى حروب استنزاف لا نهاية لها.

لا فرق كبير بين المستنقع الأوكراني الذي وقع فيه بوتين وبين المستنقع الإيراني الذي وقع فيه ترامب. كلاهما قوي، وكلاهما لم يعط خصمه قدرا كافيا من الاحترام.

كما كشفت التجربة الإيرانية أيضا أن العقيدة الدفاعية القائمة على اللامركزية، والعمق الجغرافي، والتفاوت الهائل في تكلفة السلاح، يمكن أن تحيد التفوق التقني لأقوى جيوش العالم وتحول الحرب إلى معركة استنزاف ليست في صالح الطرف الأقوى.

كما يعكس المأزق الأمريكي تحولا في النظام الدولي من أحادية القطب إلى تعددية قطبية، حيث لم تعد أدوات الإكراه الأمريكي قادرة على فرض الإرادة على خصوم يمتلكون حلفاء وقدرات بديلة.

الدرس الأهم هو أن استمرار التلويح بالخيار العسكري الشامل دون إدراك قيود هذه المعادلة يضع واشنطن في مجازفة استراتيجية كبرى: إما الغرق في مستنقع استنزاف إقليمي غير مسبوق، أو إثبات حدود القوة الأمريكية وظهور ضعفها علنا أمام الخصوم والمنافسين الاقليميين والدوليين.

يبقى السؤال الجوهري: هل ستتعلم واشنطن من دروس فيتنام والعراق وأفغانستان، وتدرك أن الحسم العسكري في القرن الحادي والعشرين لم يعد يتحقق بالقنابل وحدها، بل بمزيج معقد من الدبلوماسية، والردع، والهندسة السياسية، والفهم العميق لطبيعة الخصم وعقيدته القتالية؟ أم ستواصل الانزلاق في مستنقع استنزاف إقليمي ينهك قدراتها ويعيد تشكيل ميزان القوى العالمي لصالح منافسيها؟

انتهى

اقرأ أيضا: الغزو البري لإيران… لماذا يخيف البنتاغون؟

رؤى لدراسات الحرب @RoaaWarStudies

🛡 فحص التحقق 🤖

يرجى الضغط أدناه لتأكيد أنك لست بوت وفك التقييد فوراً:

نظام حماية الميني آب الخاص بـ "رؤى".

إرسال التعليق