العلاقات الباكستانية الأفغانية – من اتفاقية ديورند 1893 إلى اليوم

العلاقات الباكستانية الأفغانية جذور الصراع:

اتفاقية ديورند واستقلال باكستان

في عام (1893م) تم توقيع اتفاقية ديورند بين بريطانيا (الحاكمة للهند) وأمير أفغانستان عبد الرحمن خان. رسمت حدودا طولها ٢٦٤٠ كم قسَّمت مناطق القبائل البشتونية بشكل تعسفي بين الجانبين.

وافقت أفغانستان تحت الضغط، واعتبرت الاتفاقية “إرثا استعماريا” باطلاً.

ورثت باكستان بعد الاستقلال سنة 1947 حدود خط ديورند.

رفضت أفغانستان الاعتراف بباكستان وكانت الدولة الوحيدة التي صوتت ضد انضمامها إلى الأمم المتحدة، مطالبةً بحق تقرير المصير للبشتون في المناطق التي ضمتها باكستان، فيما عُرِف بمشروع “بشتونستان”، مما أشعل شرارة الخلاف الذي لا يزال مستمرًا.

الحرب ضد السوفييت – باكستان كداعم رئيسي وتأثير ضياء الحق.

شكل الغزو السوفيتي لأفغانستان في ديسمبر 1979 منعطفاً حاسماً في تاريخ المنطقة، ودفع بباكستان إلى قلب الصراع الدولي.

الدور الباكستاني تحت حكم ضياء الحق: كان الجنرال محمد ضياء الحق، الذي استولى على السلطة في انقلاب عسكري عام 1977، الحليف الأكثر أهمية للمقاومة الأفغانية (المجاهدين).

كانت باكستان في زمانه ملاذا آمنا للاجئين والمقاتلين وطريق عبور وقاعدة خلفية للمجاهدين.

موجة النزوح الأولى:

أدت الحرب إلى واحدة من أكبر أزمات اللجوء في العالم. فرّ أكثر من 3 ملايين أفغاني إلى باكستان، حيث استقر معظمهم في مخيمات بدائية في المناطق القبلية (خاصة وزيرستان) وإقليم خيبر بختونخوا.

شكل هذا النزوح واقعاً ديموغرافياً واجتماعياً جديداً لا تزال آثاره ملموسة حتى اليوم.

مقتل ضياء الحق وتداعياته (1988):

في 17 أغسطس 1988، لقي الرئيس الباكستاني الجنرال محمد ضياء الحق مصرعه في حادث تحطم طائرة مروحية غامض بعد خروجه في رحلة سرية لحضور عرض لدبابات أمريكية من طراز “إم 1″، ورافقه في الرحلة مجموعة من كبار قادته العسكريين والسفير الأمريكي في باكستان أرنولد رافيل والجنرال الأمريكي هربرت واسوم.بعد انتهاء العرض، أقلعوا بطائرة خاصة، وما إن حلقت حتى سقطت محترقة.

تشير الرواية الأكثر ترجيحاً حول الحادث إلى أن سبب السقوط كان انفجار قنبلة وُضعت داخل صندوق هدية من فاكهة المانجو، التي كان يُعرف عن ضياء الحق حبه لها، مع استخدام غاز أعصاب لتشويه الطيارين.

ظلت القضية غامضة، حيث لم تُنشر التحقيقات الرسمية بشكل كامل. وتعددت نظريات الاغتيال بين اتهام جهات داخلية في الجيش الباكستاني أو وكالات استخبارات خارجية مثل الموساد الإسرائيلي، وهو ما دعمه لاحقاً ادعاءات دبلوماسيين أمريكيين من بينهم الدبلوماسي جون غونتر دين.

شكلت وفاته صدمة وفراغ في العلاقات الباكستانية الأفغانية، وفقدان للسيطرة النسبية على الفصائل الأفغانية، وبداية مرحلة من الفوضى والتنافس بين هذه الفصائل مهدت لظهور حركة طالبان لاحقا.

صعود الطلبة (1994-1996):

بعد خروج السوفييت من أفغانستان نشب صراع داخلي على السلطة بين الفصائل المسلحة، أدى ذلك إلى تدهور الوضع الأمني في البلاد، عمل الملا عمر على جمع طلاب من المدارس الشرعية (الديوبندية) في المناطق القبلية ورفاقه في الجهاد في محاولة لحفظ الأمن في مناطقهم، استسلم الكثير من قادة الحرب لهم، وخلال الأشهر الثلاثة الأولى سيطروا على 12 مقاطعة من أصل 34.

اتسعت الحركة مع انضمام مزيد من طلاب المدارس الشرعية لها وسموا بطالبان، أعلنوا عن نيتهم تحرير أفغانستان من قيادتها الفاسدة وإقامة الشريعة الإسلامية وبسط الأمن.

سيطرت الحركة على معظم البلاد ورأت إسلام آباد في طالبان وسيلة لتحقيق الاستقرار في أفغانستان وضمان “عمق استراتيجي” ضد الهند.أعلنت حركة طالبان قيام إمارة إسلامية تحكم بالشريعة، أيدها المجاهدون العرب وأعانوها في قتال باقي الفصائل التي شكلت تحالف الشمال، تلقى هذا التحالف دعما وتأيدا من إيران والهند وروسيا وطاجيكستان والولايات المتحدة وفرنسا.

اعترفت كل من باكستان والإمارات والسعودية بإمارة طالبان.

التحول الجذري: باكستان تنقلب ضد طالبان!

بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 وبضغط أمريكي انقلبت باكستان رسميًا على حليفتها السابقة، أصبحت حليفًا رئيسيًا لأمريكا في “الحرب على الإرهاب”.قدمت المخابرات الباكستانية معلومات حيوية، وسهلت عمليات الاعتقال.

اعتقلت باكستان المئات من قادة وكوادر طالبان والقاعدة، وسلمت العديد منهم إلى الولايات المتحدة. كما سمحت للقوات الأمريكية بتنفيذ ضربات مسيرة (درون) من قواعد على أراضيها.

خلق هذا القرار شرخًا عميقًا لم يلتئم مع طالبان أفغانستان، وشعورًا بالخيانة في صفوفها. كما أغضب قطاعات كبيرة داخل باكستان، خاصة في الأوساط الدينية والقبلية.

5_ مجزرة المسجد الأحمر (يوليو 2007):

بعد انضمام باكستان إلى الحرب على الإرهاب وملاحقتها لمقاتلي طالبان المحتمين بالمناطق القبلية البشتونية في باكستان بهدف تسليمهم إلى أمريكا؛ استنكر ذلك علماء ومشايخ ديوبنديون.

وصدرت فتوى من المسجد الأحمر في إسلام آباد بتحريم مشاركة الجنود في الحرب ضد المسلمين وأنه كبيرة ومن مات على ذلك لا يكون شهيدا ولا ينبغي ان يصلى عليه، ووقع عليها عشرات من العلماء.

تلا ذلك قيام علماء وطلبة المسجد الأحمر والجامعة الفريدية وطالبات جامعة حفصة باستعصاء تحت قيادة الشيخ عبد الرشيد غازي، طالبوا فيه بإقامة الشريعة في باكستان، واستنكروا التضييق على المساجد والمدارس الشرعية وملاحقة مقاتلي طالبان وتسليمهم لأمريكا

حاصرهم الجيش الباكستاني أسبوعا، وقصفهم بالفوسفور واقتحم المسجد والمدرستين موقعا عشرات القتلى والجرحى.

ظهور طالبان باكستان TTP (ديسمبر 2007):

دفعت مجزرة المسجد الأحمر المقاتلين الموالين لطالبان على طول الحدود الأفغانية لإلغاء اتفاقية سلام عمرها 10 أشهر مع الحكومة الباكستانية، تلا ذلك إعلان تشكيل “تحريك طالبان باكستان” وإعلانها حربا شاملة ضد الجيش الباكستاني واصدار فتاوى بتكفير الحكومة والجيش متهمة إياهم بالعمالة للغرب.

تقديرات تشير إلى أن عدد مقاتلي طالبان باكستان قد يصل إلى 35 ألف مقاتل.

حرب وزيرستان والصراع مع القبائل

أصبحت مناطق وزيرستان الشمالية والجنوبية المعقل الرئيسي لـ TTP والجماعات المسلحة المتحالفة معها (طالبان أفغانستان وتنظيم القاعدة وتنظيمات أخرى ضمت مهاجرين كانوا في أفغانستان).

شن الجيش الباكستاني سلسلة من الحملات العسكرية الكبرى بدءًا من 2004، وأبرزها عملية “ضرب عضب” (2014): كانت أكبر حملة عسكرية في تاريخ باكستان، حيث تم نشر عشرات الآلاف من الجنود لاجتثاث TTP من معاقلها في وزيرستان الشمالية.

أدت هذه الحروب إلى نزوح ملايين المدنيين من القبائل البشتونية، وتدمير البنية التحتية، واستمرار حرب عصابات طاحنة. عززت هذه العمليات من مشاعر التهميش والإحباط لدى البشتون في باكستان، مما غذى دوامة العنف.

عودة طالبان إلى الحكم وانهيار الهدنة:

مع انسحاب أمريكا وسقوط كابل (2021) عادت طالبان إلى سدة الحكم في كابل.

توقعت باكستان أن تكافئها طالبان بكبح جماع طالبان باكستان TTP، لكن العكس حدث، فقد سمحت طالبان أفغانستان للحركة بالعمل بحرية أكبر من الأراضي الأفغانية -حسب ما تدعيه باكستان- تصاعدت هجمات TTP داخل باكستان بشكل غير مسبوق.

ردت باكستان ببناء سياج حدودي على طول خط ديورند، وهو ما اعترضت عليه طالبان وأوقفته في بعض المناطق.

وحدثت اشتباكات ومناوشات بين إمارة أفغانستان وباكستان.

كلمة لأمير طالبان هبة الله آخوند زاده حول غاية الغرب بتحويل أفغانستان لدولة علمانية كباكستان وتركيا.

بدورها تتهم إمارة أفغانستان الحكومة الباكستانية بدعم تنظيم الدولة وفتح معسكرات تدريب له لاغتيال معارضي الحكومة الباكستانية ولتنفيذ هجمات ضد إمارة أفغانستان.

أزمة اللاجئين: الترحيل القسري والانتهاكات

استضافت باكستان ملايين اللاجئين الأفغان لعقود، يقدر عددهم بأكثر من 3.7 مليون.

حملة الترحيل القسري (2023-2025):

كرد فعل على تصرفات طالبان وذريعة للأعباء الاقتصادية والأمنية، أطلقت باكستان حملة “إعادة الأجانب غير الشرعيين”.

الإحصائيات (حتى منتصف أكتوبر 2025):

إجمالي العائدين من باكستان: حوالي 0.9 مليون أفغاني (بين مرغمين ومغادرين طوعًا تحت الضغط). فقط في الفترة 1-4 أكتوبر 2025: عاد 171,000 أفغاني.

أسباب كره الشعب الافغاني للحكومة الباكستانية وجيشيها وأجهزتها الأمنية.

الانتهاكات والممارسات:

  • اعتقالات تعسفية ومداهمات للمنازل.
  • مصادرة وثائق اللاجئين وابتزازهم ماليًا.
  • فرض رسوم خروج باهظة (830 دولارًا).
  • إلغاء البطاقات الرسمية (مثل ACC و PoR).
  • إغلاق المخيمات.

الوضع في أفغانستان:

يعود اللاجئون إلى بلد يعاني من انهيار اقتصادي بسبب الحصار الاقتصادي والعقوبات المفروضة على البلد، دون مأوى أو عمل، في أزمة إنسانية مروعة.

طفلة أفغانية تقف خلف خيمة ممزقة في مخيم لاجئين بكبابايان (بيشاور) يظهر فيها تضرر المخيمات وأثر طول فترة اللجوء.

الأمم المتحدة تشير إلى أن مخيمات مثل هذا افتُتحت في الثمانينات وتؤوي عشرات الآلاف.

ملاجئ اللاجئين عرضة للانتهاكات والضغط المستمر من قبل السلطات الباكستانية.

انتقادات من الشعب الباكستاني ومن علماء باكستانيين للحكومة الباكستانية بعد مهاجمة أفغانستان:

مواطن باكستاني وجّه انتقادًا حادًا لحكومة بلاده، داعيًا إياها إلى أن “تتعلم من الأفغان الذين تفوقت عملتهم على الروبية الباكستانية”، ومشيدا بإمارة أفغانستان، معتبرًا أنها تمضي نحو الإعمار بعد أربعة عقود من الحرب.

في المقطع الثاني: الشيخ فضل الرحمن -رئيس جمعية علماء باكستان- يشن هجوما حادا على العسكر الباكستاني، وقال إن باكستان وقفت ضد طالبان وقدمت القواعد لأمريكا لاحتلال أفغانستان.كما وصف الهجوم على أفغانستان بجريمة وخيانة كبيرة، ودعا الجيش إلى العقلانية وأن لا ينفذ إملاءات الغرب.

الخلاصة:

بشكل عام، سقوط إمارة أفغانستان يفيد أغلب دول المنطقة، فمع اختلاف هذه الدول حول البديل المناسب، إلا أن هناك إجماعًا ضمنيًا على عدم الرغبة في نجاح نظام حكم طالبان.

يعود هذا الموقف إلى الخوف من تصدير نموذج طالبان الى الدول المجاورة، فالصين تخشى من الحزب الإسلامي التركستاني الذي تؤويه طالبان، وطاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان دول محاربة للتدين، وهذه القوميات الثلاثة موجودة في أفغانستان، وكذلك العداء العقدي بين إيران وطالبان فإيران تريد نشر التشيع ودعم الهزارة في أفغانستان، ولكن هذه الدول جميعها مترددة في التدخل المباشر في “مقبرة الغزاة” المعروفة بتاريخها الدامي مع القوى الخارجية.

في حال انتصرت أفغانستان (طالبان) وامتد نفوذها، فإن السلاح النووي الباكستاني سيشكل ذريعة الدول الكبرى والجوار للتدخل، بحجة منع وقوع هذا السلاح بيد طالبان أو الجماعات المسلحة التي تحارب الحكومة الباكستانية في بلوشستان ومناطق البشتون.

وستستغل الهند الأمر لتشن حملة عسكرية للسيطرة على كشمير بالكامل، والتخلص من غريمها النووي.

رؤى لدراسات الحرب

https://x.com/RoaaWarStudies

https://t.me/RoaaWarStudies

  • Related Posts

    محاولة استعادة جثة رون أراد تتحول إلى اشتباك دامٍ مع حزب الله

    عملية إسرائيلية فاشلة في النبي شيت: في حدث أمني مثير وقع في ساعات الليل المتأخرة من يوم الجمعة 6 مارس 2026، نفذت قوات كوماندوز إسرائيلية عملية إنزال جوي في منطقة…

    Read more

    تأكيد بصري لتدمير رادار an/tpy-2 thaad الثالث من قبل إيران

    مقدمة عن الأحداث تظهر الأحداث الأخيرة المرتبطة بتدمير رادار AN/TPY-2 THAAD كحدث بارز في التصعيد المستمر بين إيران والولايات المتحدة. تمثل هذه الواقعة انعكاسًا للتوترات المتزايدة في منطقة الشرق الأوسط،…

    Read more

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *